ابن خلكان

14

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

أسوأ الناس حالا من شكر الملوك بالباطل وأسوأ حالا منه من استخف بحقهم ؛ واعلم يا شعبي أن أقل من هذا يذهب بسالف الإحسان ويسقط حق الحرمة ، وان الصمت في موضعه وعند إصابته فرصة . وكان أعرابي يجالس الشعبي ويطيل الصمت ، فقال له الشعبي يوما : ألا تتكلم ؟ فقال : أسكت فأسلم وأسمع فأعلم ؛ إن حظ المرء في أذنه له ، وفي لسانه لغيره . وقال رجل للشعبي كلاما أقذع فيه فقال له : ان كنت صادقا غفر اللّه لي وإن كنت كاذبا غفر اللّه لك « 1 » . وسئل الشعبي عن الرجل يعسر عن الأضحية ولا يجد ما يشتري فقال : لأن اتركها وأنا موسر أحبّ إليّ من أن اتكلفها وأنا معسر . وقال الشعبي : كانت درة عمر رضي اللّه عنه أهيب من سيف الحجاج ؛ وقال أيضا : من زوّج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها . وأحضر الشعبي بين يدي الحجاج - وكان قد خرج مع ابن الأشعث - فسلّم على الحجاج بالإمرة ثم قال : أيها الأمير إن الناس قد أمروني أن أعتذر إليك لغير ما يعلم اللّه انه الحق ؛ وأيم اللّه لا أقول في هذا المقام إلا حقّا : قد واللّه خرجنا عليك وجهدنا كل الجهد فما كنا بالفجرة الأقوياء ولا البررة الأتقياء ، وقد نصرك اللّه علينا وأظفرك بنا ، فإن سطوت فبذنوبنا وما جرّت إلينا أيدينا ، وان عفوت عنا فبحلمك ؛ وبعد ، فالحجة لك علينا . فقال الحجاج : أنت واللّه أحبّ إلي ممن يدخل علي يقطر سيفه من دمائنا ثم يقول : ما فعلت وما شهدت ؛ قد أمنت عندنا يا شعبي ، فانصرف . وقال له الحجاج : يا شعبي ، ما كان عبد الرحمن يزجر حين رآني نزلت دير قرة ونزل هو دير الجماجم محاربا ؛ وكان أبدا يقول هذا الكلام على سبيل الفأل والزجر ] « 2 » .

--> ( 1 ) زاد في النص بعده : ثم تمثل بقول مسكين الدارمي : ليست الأحلام في حال الرضى * إنما الأحلام في حال الغضب وسيرد هذا في موضعه حسبما جاء في المسودة . ( 2 ) زيادة من ص وحدها ، وانظر ج 2 : 39 فإن القصة مع الحجاج مكررة .